ابن العربي
723
أحكام القرآن
ذلك في سورة البقرة ، ويتخصّص « 1 » به هاهنا أنّ اللّه تعالى لما قال : إذا ضربتم « 2 » في الأرض ، كان ذلك شرطا فيه حيث لا يوجد مسلم في الغالب ، فيؤخذ الكافر عوضا منه للضرورة في الشهادة ؛ قاله جماعة من التابعين ، واختاره أحمد بن حنبل ، وأجاز شهادة أهل الذمة « 3 » على المسلمين في السفر عند عدم المسلمين ، واحتجّ بالحديث والآية . ونبيّنه فيما بعد ، إن شاء اللّه تعالى . المسألة التاسعة عشرة - قوله تعالى : فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ ، يعنى وقد أسندتم النظر إليهما ، واستشهدتموهما . أو ارتبتم بهما على ما تقدم بيانه في سرد القصص والروايات وذكر الآثار والمقالات . المسألة الموفية عشرين - قوله تعالى : تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ : وفي ذلك دليل على حبس من وجب عليه الحقّ ، وهو أصل من أصول الحكمة ، وحكم من أحكام الدين ؛ فإن الحقوق المتوجهة على قسمين : منها ما يصحّ استيفاؤه معجّلا ، ومنها ما لا يمكن استيفاؤه إلّا مؤجّلا . فإن خلّى من عليه الحقّ وغاب واختفى بطل الحقّ وتوى « 4 » ، فلم يكن بدّ من التوثّق منه ، فإما بعوض عن الحق ويكون بمالية موجودة فيه ؛ وهي المسمّى رهنا ، وهو الأولى والأوكد ؛ وإما شخص يتوب منا به في المطالبة والذمة ، وهو دون الأول ؛ لأنه يجوز أن يغيب كغيبته ، ويتعذّر وجوده كتعذره ، ولكن لا يمكن أكثر من هذا . فإن تعذّرا جميعا لم يبق إلا التوثّق بحبسه ، حتى تقع منه التوفية لما كان عليه من حقّ ؛ فإن كان الحقّ بدنيّا لا يقبل البدل كالحدود والقصاص ولم يتفق استيفاؤه معجّلا ، لم يبق إلا التوثّق بسجنه ؛ ولأجل هذه الحكمة شرع السجن . وقد روى الترمذىّ وأبو داود أنّ النبىّ صلى اللّه عليه وسلم حبس في تهمة رجلا ثم خلّى عنه . وفي مصنّف عبد الرزاق أنّ النبىّ صلى اللّه عليه وسلم أتى بسارق فقال : احبسوه ؛ فإن مات صاحبه فاقتلوه .
--> ( 1 ) في ل : ويختص . ( 2 ) نص الآية : إن أنتم ضربتم في الأرض . ( 3 ) في ل : الكافر . ( 4 ) توى المال : ذهب فلم يرج .